حسن ابراهيم حسن
184
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
أجنحة ؟ فضحك النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى بدت نواجذه « 1 » . ولا غرو فقد تمتعت السيدة عائشة بمنزلة لم تتمتع بها امرأة غيرها من زوجات الرسول إلا خديجة . وإنا لنجد مظهر ذلك الحب باديا في كلام الرسول لعائشة ، وفي كلام عائشة نفسها ، وفي كلام زوجات الرسول والصحابة . فقد روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : يا عائشة ! حبك في قلبي كالعروة الوثقى . وكانت السيدة عائشة تسأله من وقت لآخر : كيف حال العروة يا رسول اللّه ؟ فيقول لها : إنها على حالها لم تتغير ولم تتبدل « 2 » . وكانت السيدة عائشة تشعر بهذا الحب وتعلم مكانتها عند الرسول ، تقول في حديث لها : ولقد كانت زينب بنت جحش وأم سلمة لهما عنده مكان ، وكانتا أحد نسائه إليه قيما أحسب بعدى . وكانت زوجات الرسول يعلمن هذه المكانة ، فلما كبرت سودة بنت زمعة وخافت أن يفارقها الرسول وهبت يومها لعائشة دون سواها « 3 » . وقد غضبت زينب بنت جحش حين رأت أن عائشة قد ملكت قلب الرسول « 4 » . ولعل قائلا يقول : إذا كانت هذه مكانة عائشة من الرسول ، فلما ذا تزوج عليها ، وفي هذا ما فيه من الإساءة إليها ؟ ظن بعض المستشرقين ومن يجهلون حقيقة ما يرمى إليه الإسلام ، أن الرسول تزوج بعد موت خديجة بغير امرأة ، وعابوا عليه ذلك ، ولم يدروا أن هذا الزواج كان لأغراض دينية وسياسية . فقد تزوج الرسول جميع زوجاته بعد موت خديجة وهو في سن الخمسين أو بعدها « 5 » . أضف إلى ذلك أنه كان يحب عائشة حبا جما ، ويعمل على إرضائها ، ولم يتزوج بعدها بامرأة لجمال أعظم من جمالها . وبذلك أصبح من اليسير أن ندرك أن ذلك إنما كان لأغراض سياسية ودينية فحسب .
--> ( 1 ) زبنى دحلان : السيرة الحلبية ج 2 ص 130 . ( 2 ) الألوسى : روح المعاني ج 2 ص 753 . ( 3 ) ابن سعد ج 8 ص 36 ، 81 . ( 4 ) محب الدين أحمد بن عبد اللّه الطبري : السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين ص 39 . ( 5 ) روى الطبري ( ج 3 ص 83 ) أن الرسول حين بعث عبد الرحمن بن عوف إلى دومة ( أو دومة الجندل بلد بينها وبين دمشق خمس ليال وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة ، تقع قرب تبوك . وهي أول غزوات الشام في السنة الخامسة للهجرة ) قال له : « إن أطاعوك فتزوج ابنة ملكهم » ، مما يدل على أن ذلك كان سياسة من الرسول .